الحلبي

174

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تسألني باللات والعزى شيئا ، فو اللّه ما أبغض شيئا قط بغضهما ، فقال بحيرا : فباللّه إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال له سلني عما بدا لك . فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته : أي صفة النبي المبعوث آخر الزمان التي عنده : أي ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة على الصفة التي عنده فقبل موضع الخاتم ، فقالت قريش : إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا . فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب ، فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ قال ابني ، قال : ما هو ابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا ، قال : فإنه ابن أخي ، قال : فما فعل أبوه ؟ قال مات وأمه حبلى به ، قال صدقت : أي ثم قال ما فعلت أمه ؟ قال : توفيت قريبا ، قال صدقت ، فارجع بابن أخيك إلى بلاده واحذر عليه اليهود ، فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لتبغينه شرا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم أي نجده في كتبنا ورويناه عن آبائنا . واعلم أني قد أديت إليك النصيحة فاسرع به إلى بلده . وفي لفظ لما قال له ابن أخي قال له بحيرا أشفيق عليه أنت ؟ قال نعم ، قال : فو اللّه لئن قدمت به إلى الشام أي جاوزت هذا المحل ووصلت إلى داخل الشام الذي هو محل اليهود لتقتلنه اليهود ، فرجع به إلى مكة . ويقال إنه قال لذلك الراهب : إن كان الأمر كما وصفت فهو في حصن من اللّه عز وجل . وقد يقال : لا مخالفة لأن ما صدر من بحيرا كان على ما جرت به العادة من طلب التوقي ، فخرج به عمه أبو طالب حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام . وفي الهدى فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة ، فليتأمل . وذكر أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما رأى بحيرا وأرادوا به سوءا فردهم عنه بحيرا ، وذكرهم اللّه وما يجدونه في الكتاب من ذكره وصفاته ، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لا يخلصون إليه ، فعند ذلك تركوه وانصرفوا عنه . وفي رواية أخرى : خرج أبو طالب إلى الشام ، وخرج معه النبي صلى اللّه عليه وسلم في أشياخ من قريش ، فلما أشرفوا على الراهب بحيرا ، وكانوا قبل ذلك يمرون عليه فلا يخرج إليهم ولا يلتفت إليهم ، فجعل وهم يحلون رحالهم يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : هذا سيد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، هذا يبعثه اللّه رحمة للعالمين ، فقال الأشياخ من قريش : ما أعلمك ؟ فقال : إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا ، ولا يسجد إلا لنبي : أي وإن الغمامة صارت تظلله دونهم ، وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة .